/DSC00245b.jpg)
|
منذ أربعين عاماً دأب قداسة البابا ببعث رسالة خاصة مع أول يوم من
السنة باعتباره دعوة إلى السلام في العالم . وهي تمثل في كل عام، صوت
الكنيسة ، الأم والمعلمة ، لعالم اليوم المتعطش الى كلمة الحق والرجاء
. ومع الأسف ، فان وسائل إعلامنا المحلية ، لا تعير هذه الرسائل
انتباها . وهي وان فعلت، فتذكرها بشكل سريع قد لا يفيد القارئ والمؤمن
الى تشكيل صورة كاملة عن فحوى الرسالة . ولكن ، مع التطور التقني
وبخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والمواقع الالكترونية ، صار
بمستطاع كل انسان أن يكون فكرة واضحة عما يريد أن يعرف .
الا انني ، من متابعتي الحثيثة، والحمد لله، لمجمل ما يصدر عن "أمنا " الكنيسة ، أعود باستمرار الى الرسالة التي بعث بها البابا الراحل ، يوحنا بولس الثاني ، عام 2002 ، أي في أول عام بعد الأحداث المأساوية التي عصفت في العالم، وأعني بها أحداث الحادي عشر من ايلول عام 2001 . واني أذكر الرسالة هنا ، نظرا لما جاء فيها من فوائد يستطيع المؤمن والإنسان بشكل عام أن يغرف منها ما يعينه على مواصلة حياته ، على ركائز روحية وإنسانية ، تفيده هو ، وتأتي بالخير على العالم . |
|
كان عنوان الرسالة
"لا
سلام بدون عدالة – و لكن لا عدالة بدون مسامحة".
والسلام ، هذا الذي بات منشد شعوب المعمورة له أعمدة ، و منها المحبة
و منها العدالة ، و هذا ما يوجب إعطاء كل شعب حقه في العيش باستقلالية
و بالتالي بأمان و استقرار.
فالحرب تعطي وهماً بإمكانه تقديم حلول للصراعات القائمة، ولكنها تنتهي
بخسارة فادحة. أما طريق المسامحة، وهي عمود أساسي للسلام، بالرغم من
اعتبارها من الكثيرين علامة ضعف، فهي تتطلب مقدرة روحية فائقة، لكنها
تؤمن فوائد جمّة ودائمة.
أتت هذه الرسالة عام 2002 بعدما حدث ما حدث، في العام الذي سبقه، وتقول أن السلام هو نتاج العدل و التآلف و المحبة ، ثم لا تغفل أن تتحدث عن ظاهرة الإرهاب وتبين النظرة الكنسية الرسمية تجاهه عرفه البابا بأنه منظمات مؤمنة بمصادر مادية عظيمة ، و تتبنى مخططات واسعة النطاق لضرب أناس أبرياء لا دخل لهم بما يدعو الإرهابيون إليه . أنّ الإرهاب مؤسس على احتقار الحياة البشرية ، و بما أن نظامه السياسي والاقتصادي هو إخافة الناس ، فالإرهاب هو جريمة واضحة ضد الإنسانية جمعاء . كما لا يجوز التذرع بالظلم الموجود في العالم لتبرير مواقف و أعمال إرهابية بشعة .
وتجيز الرسالة واجب الدفاع عن النفس تجاه الإرهاب ، و لكن هذا الحق ليس مطلقاً لا بدوافعه و لا بأساليبه و لكنه محكوم بقواعد أدبية و قانونية ، و تحديد الفاعل يجب أن يكون واضحاً، ولكنه في ذات الوقت يجب أن يكون محدداً ، بحيث يكون الاتهام شخصياً و غير مرتبط بدين الفاعل أو المنفذ أو شعبه أو أمته .
وأردف قداسة البابا مصرحاً ، أنه لا يجوز - أبداً – القتل باسم الله. فالارهاب غالباً ما يأتي من تنشئة متعصبة ومتطرّفة، ومن صميم دعوتها إجبار الآخرين على الأخذ بمطلقيّة تعاليمها التي تدّعي احتكار الحقيقة، متجاهلة بذلك حرية الضمير و المعتقد . و من هذا المنطلق فالارهاب ليس تعدياً على الإنسان فحسب ، بل هو تعد صارخ على الله – عزّ و جلّ ، و في النهاية يجد الارهابيون أنفسهم أمام "إله جديد" غير الإله الحقيقي المعبود، بل هو صنم جديد يسخَّر لتسهيل مآرب شخصية ضيقة وبالتالي هدّامة .
وبالرغم من الأجواء العاصفة التي خيمت على العالم اجمع ، فولدت صراعات واحتقانات عديدة، لم يتردّد البابا في الدعوة إلى المسامحة فهي صنو العدل و العمود الأساسي الثاني للسلام في العالم . وهي فعل إنساني شخصي قبل أن يكون دولياً وجماعياً. هي مبادرة فردية في علاقة الإنسان مع أخوته وزملائه، ومن ثم تصبح ضرورة على مستوى المجتمعات: بين العائلات والجماعات والدول. والأسرة البشرية كلّها مدعوة إلى إعادة لحم العلاقات المكسورة بهدف تخطي الحالات العقيمة والإدانات المتبادلة، وللقضاء على التجربة في إحتقار وتهميش الآخرين. وتصرّح الرسالة موضحة: "إنّ المقدرة على المسامحة هي الأساس لمشاريع أي مجتمع يصبو إلى العدل والتضامن. وإن السلام هو ضمان تقدم الشعوب وشرطه الأساسي، ولكن لا يأتي سلام حقيقي إلاّ بطريق المسامحة".
وفي نهاية الرسالة، وبعد دعوات متجددة للتعاون بين الأديان والصلاة من أجل السلام، يكرر البابا ثلاثاً: "لا سلام بدون عدل، ولكن لا عدل بدون مسامحة ". ويدعو شعوب الأرض وحكامها وكل أفراد الأسرة البشرية من ذوي الإرادات الحسنة، مؤمنين وغير مؤمنين، إلى نبذ كل ميل نحو الإنتقام، واتباع الغرائز الهدامة، ذاكراً بصلاته كل أرواح الضحايا الأبرياء وأسرهم وكل الشعوب التي ما زالت ترزح تحت نير الحروب والخصومات والإرهاب. ليس هذا فقط، ولكنه يُصلي لكي يضيء الرب بنوره الساطع، قلوب الذين يتبعون الإرهاب قولاً وفعلاً ويطيحون بالناس ترهيباً وتنكيلاً، يصلي من أجلهم حتى يعوا بالضرر الذي يلحقونه بالإنسانية فيعدلوا عن كل شر ويطلبوا الصفح من الله والعفو من القريب.
أتت هذه الرسالة ، بتفكيرها الجديد، في وقت يستطيع اليأس أن يأخذ مكانا كبيرا في القلوب البشرية التي ترنو إلى عالم تسوده الألفه والطمأنينة والمصالحة والسلام. ولكن ، وهذا ما عاد البابا إلى قوله في أول يوم من عام 2002 ويمثل رسالة تشجيع لكل من يعمل بإخلاص من أجل السلام العالمي: "لا تفترنّ عزيمتكم أبداً في المضي قدماً على طريق العدل في كل مبادراتكم وتوجهاتكم الشخصية والعائلية والإجتماعية، وكذلك في كل مسارات أوطانكم بل والمجتمع البشري بأكمله".
وبعد، فقد عاد البابا ذاته الى التركيز في رسالته عام 2003 ، على أعمدة السلام الأربعة : وهي العدل والمسامحة والحقيقة والمحبة . وكل منها متعلق بالأخرى . وكل منها أيضا بمستطاعه أن يكون درسا بليغا ومحفزا للمؤمنين الصادقين، حتى وان بدا أن العالم يسير اليوم الى مصير مجهول . يبقى الامل بالله كبيرا ، ويبقى على المؤمن أن يسند كل عمل خير ونبيل في هذا العالم، بالصلاة والتضرع، فالسلام المنشود في كل بقاع الأرض هو أولا وأخيرا هبة من الله تعالى، يهبها للنفوس الجائعة والعطشى الى السلام وثماره، ولن يتحقق ما لم تصف القلوب أولا ويعرف الانسان أن كل انسان هو أخ له في الانسانية، وكلاهما ينعمان تحت مظلة الله الواحد... الله المحبة .
|
|
أعمدة السلام في العالم |
|
الأب رفعت بدر |
|
خاص ل www.4evergrace.net |
