THE SACRED HEART OF JESUS

 

  سجل الزوار     مواقع مسيحية    اضفنا الى المفضلة      رزنامة الطقس اللاتيني      اتصل بنا      الارشيف

 

 
 من كتابات قداسة الحبر الاعظم
 البابا بندكس السادس عشر
كلمتُك مصباحٌ لخطاي ونورٌ لسبيلي..
وجَّه قداسة البابا بندكتس السادس عشر رسالته احتفالا باليوم العالمي الـ 21 للشباب، في مختلف الكنائس المحليَّة، يوم أحد الشعانين، المصادف تاريخ التاسع من شهر أبريل نيسان ، وموضوعه هذا العام: كلمتُك مصباحٌ لخطاي ونورٌ لسبيلي..
وقال الأب الأقدس إنَّ هذا اليوم العالمي يشكِّل مناسبة ملائمة لإحياء شعلة الفرح، الشعلة التي أُضيئت في كولونيا العام الماضي... لقد أصغى التلاميذ إلى كلمة الخلاص ونقلوها لخلفائهم، جوهرةً ثمينة محفوظةً في الكنيسة. أعزائي الشباب، قال البابا:"أحبّوا كلمة الله والكنيسة التي تسمح لكم ببلوغ كنز ذي قيمة كبرى. أحبّوا الكنيسة واتبعوها، فهي التي حصلت من مؤسِّسها على رسالة إرشاد البشر إلى درب السعادة الحقَّة.
ومن الأهمية بمكان "تحرير الحريَّة"، أضاف قداسة البابا يقول، مذكِّرًا بكلمات يسوع:"إذا ثبتم في كلامي، صِرتم حقًّا تلاميذي، تعرفون الحقَّ والحقُّ يحرِّركم". إنَّ الكلمة المتجسِّد، كلمة الحقيقة، تجعلنا أحرارًا وترشد حرَّيتنا نحو الخير.
أعزائي الشباب، قال الأب الأقدس" تأمَّلوا بكلمة الربِّ واجعلوا الروح القدس معلِّمًا لكم، وعندها تكتشفون أنَّ أفكار الله ليست أفكار البشر. فعلى طريق الحياة التي ليست أبدًا سهلة أو خالية من العقبات، قد تواجهون المصاعب والآلام، ولكن لا تنسوا كلمات صاحب المزامير:"أحيني يا ربُّ بحسب كلمتك. نفسي في كفِّي كلَّ حينٍ وأنا لم أنسَ شريعتك". إنَّ حضور الرب المحبّ، من خلال كلمته، هو نور يبدِّد ظلمة الخوف ويُنير الطريق، حتَّى في الأوقات الأكثر صعوبة.
كما وذكَّر الأب الأقدس بآية من الرسالة إلى العبرانيين:"إنَّ كلام الله حيٌّ ناجع، أمضى من كلِّ سيفٍ ذي حدَّين، يصلُ في نفاذه إلى ما بين النفس والروح والأوصال والمخاخ، وبوسعه أن يحكمَ على خواطر القلب وأفكاره". وحثَّ البابا الشباب على جعل الكتاب المقدَّس في متناول اليد، كيما يكون بوصلة تدل إلى الطريق.
ومن خلال قراءة الكتاب المقدس، أضاف الحبر الأعظم يقول، تتعلَّمون التعرّف على المسيح، ويقول لنا القديس يعقوب:"واعملوا بهذا الكلام ولا تكتفوا بسماعه فتخدعوا أنفسكم. فمن يسمع الكلامَ ولا يعملْ به يُشبه امرأً ينظرُ في المرآة صورة وجهه، فلا يكاد ينظرُ نفسَه حتى يمضي، ثمَّ لا يلبثُ أن ينسى كيف كان. أمَّا الذي يكبُّ على الشريعة الكاملة، شريعة الحريَّة، فيواظبُ عليها، شأن من يعمل، لا شأن من يسمع ثمَّ ينسى، فإنَّما هو يجدُ السعادة في الشريعة التي يعمل بها".
ودعا قداسة البابا الشباب إلى بناء حياتهم على المسيح، من خلال قبول كلمته بفرح وتطبيق تعليمه، وقال: يا شباب الألفية الثالثة هذا هو برنامجكم! إذ لا بدَّ من وجود جيل جديد من الرسل متجذِّرين في كلمة المسيح، قادرين على الإجابة على تحديات زمننا، ومستعدِّين لنشر الإنجيل في كلِّ مكان. وإذا دعاكم يسوع، لا تخافوا من الإجابة بسخاء، سيَّما إذا اقترح عليكم اتِّباع الحياة الكهنوتية أو المكرَّسة.
أصدقائي الأعزَّاء، تابع الأب الأقدس يقول: مع الإحتفال باليوم العالمي للشباب، التاسع من أبريل المقبل، أحد الشعانين، نبدأ مسيرة روحية باتجاه اللقاء العالمي للشباب، المرتقب في سيدني في تموز يوليو من العام 2008. نستعدُّ لهذا اللقاء الكبير، من خلال التفكير معًا بموضوع:"الروح القدس والرسالة"، على مراحل متتالية. سنتأمل هذه السنة بالروح القدس، روح الحقيقة. والعام المقبل 2007، سنتأمل بآية من إنجيل يوحنا:"وليكنْ حبُّ بعضكم لبعض كما أنا أحببتكم"، وفي العام 2008 سنتامل بموضوع:"سينزل عليكم الروح القدس، فتتلقون منه القدرة، وتكونون لي شهودًا".
وفي ختام رسالته احتفالا باليوم العالمي الـ 21 للشباب على الصعيد الأبرشي يوم أحد الشعانين، قال البابا:"أعزائي الشباب، صلّوا للروح القدس، روح القوة والشهادة، كيما يجعلكم قادرين على إعلان الإنجيل، وبلا خوف، حتى أقاصي الأرض. ولتكن مريم أمًا ومرشدة لكم، تعلِّمكم الإصغاء إلى كلمة الله والتأمل بها وتشجِّعكم على قول "النعم" للرب، وتساعدكم على البقاء أقوياء في الإيمان، مثابرين في الرجاء ومواظبين على المحبة، مطيعين دومًا كلمة الله. للبابا يوحنا بولس الثاني، ينبوع سلام وفرح، ولتساعدنا العذراء مريم، أمّ الكنيسة، لنكون مثله، وفي كلّ ظرف من ظروف حياتنا، تلاميذًا لابنها الإلهي وأنبياء لمحبته الرحيمة.

 

لقد اختارنا قبل انشاء العالم.. رسالة البابا ليوم الدعوات
إخوتي الأساقفة المكرمين،
أيها الإخوة والأخوات،
 
إن الاحتفال العالمي القادم بالصلاة من أجل الدعوات يمنحني الفرصة لأدعو شعب الله قاطبة إلى التفكير في موضوع "الدعوة في سر الكنيسة". يكتب القديس بولس:" تبارك اله ربنا يسوع المسيح وابوه... ذلك أنه اختارنا قبل إنشاء العالم... وقدّر لنا ن يتبنّانا بيسوع المسيح "(أفسس 1: 3-5). قبل إنشاء العالم وقبل أن نكون في هذا العالم، إختارنا الآب السماوي شخصياً، ليدعونا إلى الدخول في علاقة بنوية معه، بواسطة يسوع، الكلمة المتجسد، وبإرشاد الروح القدس. وبموته من أجلنا، أدخلنا السيد المسيح في سر محبة الآب، محبة ملأته كليا وأفاضها علينا جميعاً.  هكذا، بالاتحاد مع يسوع، الرأس، نشكل جسداً واحداً هو الكنيسة.
إن ثقل ألفي عام من التاريخ يجعل من الصعب إدراك الأمر الجديد المذهل النابع من سر التبني الإلهي، الذي هو دائماً مركز تعليم القديس بولس. يذكّر الرسول "إن الأب أطلعنا على سر مشيئته...، أي ذلك التدبير الذي إرتضى قضاءه في المسيح، ليحققه عندما تتم الأزمنة، فيجمع في المسيح كل شيء ممّا في السموات وفي الأرض."(أفسس 1: 9-10). ويواصل التعليم بحماس قائلاً:" وإنّا نعلم أن الله يسخر كل شيء لخير الذين يحبونه، أولئك الذين دعوا بسابق تدبيره. فالذين اختارهم بسابق اختياره، أعدّهم قديماً لأن يكونوا على مثال صورة إبنه ليكون هذا بكراً لإخوة كثيرين". إن هذه الرؤية لرائعة وجذابة: نحن مدعوون إلى أن نعيش كأخوة وأخوات ليسوع، وأن نشعر بأننا أبناء وبنات لله.  هي عطية لا مثيل لها، تقلب رأسا على عقب كل الأفكار والمشاريع البشرية المحدودة. وكما أن الاعتراف بالإيمان الحق يفتح العقول والقلوب على سر الله الذي لا يستقصى. وماذا نقول إذا عن التجربة القوية في أيامنا هذه، تجربة الانطواء والاكتفاء الذاتي لدرجة أننا نغلق أنفسنا على مخطط الله الحليم  تجاهنا؟ إن محبة الله التي تجلّت في شخص المسيح تستجوبنا.
وللإجابة على دعوة الربّ والشروع في السير، ليس من الضروري أن نكون كاملين. نحن نعلم أنّ وعي الابن الضال لخطيئته سمحت له بالعودة واختبار فرح المصالحة مع أبيه. فالضعف الإنساني لا يشكّل عائقاً، شريطة أن يزداد إدراكنا للحاجة إلى نعمة المسيح المخلّصة. وهذه هي أيضاً خبرة القديس بولس الذي قال:" أنا إذاً أفتخر راضياً بحالات ضعفي لتحل بي قدرة المسيح."(2قو 12: 9). ففي سر الكنيسة، جسد المسيح السري، تبدل قوة المحبة الإلهية قلب الإنسان وتجعله قادراً على نقل محبة الله للإخوة. فعلى مر العصور، بدّلت المحبة الإلهية رجالاً ونساءاً كثيرين كرّسوا حياتهم لقضية الملكوت. وعلى ضفاف بحيرة الجليل، جذب الرب يسوع كثيرين إليه، كانوا يبحثون عن شفاء النفس والجسد، فلمستهم قوة نعمته. كما أنه اختار آخرين ليصبحوا تلاميذه.  وهناك أشخاص مثل مريم المجدلية ونساء أخريات تبعنه بمبادرة شخصية منهنّ،  مبادرة محبة، وبدورهن وجدن، كالرسول يوحنا، مكانة خاصة في قلب السيد المسيح. وأولئك الرجال والنساء الذين عرفوا بواسطته سرّ محبة الآب، يمثّلون الدعوات المتنوعة الموجودة دائماً في الكنيسة. ونموذج المدعوين والمدعوات لأن يشهدوا بطريقة خاصة لحب الله هي مريم، أم يسوع، التي شاركت مباشرة، في سر التجسد والفداء.
في المسيح، رأس الكنيسة، يشكل جميع المسيحيين" الذرّية المختارة والكهنوت الملكي والأمة المقدسة  والشعب الذي إصطفاه الله للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب."(.....)  إن الكنيسة مقدسة، وإن كان أعضاؤها بحاجة إلى تطهير، لأن القداسة هي عطية من الله، ويتلألأ ضياؤها من خلالهم. ويسلّط المجمع الفاتيكاني الثاني الضوء على الدعوة الشاملة إلى القداسة، ويؤكد أن الذين يتبعون المسيح دعاهم الله، لا بحسب أعمالهم، ولكن بحسب تدبير نعمته، والذين تبرّروا بيسوع ربنا أصبحوا حقاً بمعمودية الإيمان أبناء الله وشركاء الطبيعة الإلهية، وبالتالي قدّيسين حقاً.(نور الأمم 40).
في اطار هذه الدعوة  الشاملة، إن المسيح، الكاهن الأعظم، الذي لا يغفل عن كنيسته، يختار في كل جيل أشخاصا يهتمون بشؤون شعبه. وبشكل خاص، يدعو إلى الخدمة الكهنوتية رجالاً يمارسون مهمة أبوية، تنبع من أبوة الآب نفسها. (افسس 3: 15).
وأشار البابا إلى أنّ رسالة الكاهن في الكنيسة يتعذّر استبدالها والاستغناء عنها. وإن كنا نشهد، في بعض البلدان اليوم، أزمةً في الإقبال على الحياة الكهنوتية، فهذا لا يعني على الإطلاق أن المسيح لم يعد يدعو أناساً، كالرسل، يتركون كل شيءٍ ويكرّسون أنفسهم للاحتفال في الأسرار المقدسة ونشر الإنجيل والعمل الرعوي. ونذكّر هنا ما ورد في الإرشاد الرسولي "أعطيكم رعاة" للسعيد الذكر البابا يوحنا بولس الثاني الذي قال:" إنّ ارتباط الكاهن بيسوع المسيح، ومن خلاله بالكنيسة، هو جوهر كيان الكاهن بفضل التكرّس والمسحة السرية،  وجوهر عمل الكاهن أي رسالته وخدمته. ...وهو يواصل في الكنيسة صلاة السيد المسيح وكلامه وذبيحته وعمله الخلاصي.".(أعطيكم رعاة 16)
 وعلى مثال مريم من بيت عنيا التي "جلست عند قدمي يسوع تستمع إلى كلامه"، يكرّس عدد كبير من الرجال والنساء ذواتهم لخدمة المسيح. وهم إذ يقومون بخدمات كثيرة في مجال التربية الإنسانية والاهتمام بالفقراء، في التعليم وإسعاف المرضى، لا يعتبرون هذا النشاط  الهدف الأول لحياتهم. ذلك أن الواجب الأول والخاص لكل الرهبان، كما ينص الحق القانوني، هو  التأمل في الحقائق الإلهية والاتحاد الثابت بالله بفضل الصلاة." (ق 663، بند 1). وقال البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته عن الحياة المكرسة:" في تقليد الكنيسة يعتبر التكريس ألرهباني تعميقا فريدا وخصبا للتكريس العمادي، فبه  ينمو  الاتحاد بالمسيح الذي بدأ بالعماد  ويصبح تمثلا كاملا بالمسيح من خلال التعهد بإتباع المشورات الانجيلية." (رقم 30)
وإذ نتذكر وصية يسوع: " الحصاد كثير ولكن العملة قليلون، فاسألوا رب الحصاد أن يرسل عملة الى حصاده" (متى 9، 37) ننبّه إلى ضرورة الصلاة لأجل الدعوات الكهنوتية والرهبانية. ولا نتفاجأ عندما نعرف انه حيث  ترتفع الصلوات الحارة  تزدهر الدعوات.  إنّ قداسة الكنيسة تعتمد على الإتحاد بالمسيح والإنفتاح على سر النعمة التي تعمل في قلوب المؤمنين.لهذا، فإني أدعو جميع المؤمنين لبناء علاقة حميمة مع المسيح المعلم والراعي لشعبه، متشبهين بمريم، التي حفظت في نفسها أسرار الله وتأملتها باستمرار.(لوقا 2: 19)  ولكونها تحتل مكانة مهمة في قلب سر الكنيسة نصلي كلنا معها:
 
أيها الآب أيقظ بين المسيحيين
 دعوات عديدة ومقدسة إلى الكهنوت،
تحافظ على شعلة الإيمان،
 وتحرس  ذكرى ابنك يسوع المجيدة
بفضل التبشير بكلمته ومنح الأسرار،
وبها  تجدّد مؤمنيك على الدوام.
 هبنا خداما قديسين لهيكلك
 يكونون حماة متنبهين وغيورين لسر الافخارستيا،
سر هبة المسيح العظمى لفداء البشر.
أدع خداما لسر رحمتك
ينشرون،  بفضل سر المصالحة،
 فرح الغفران.
أيها الاب اجعل الكنيسة تستقبل  بفرح
  الالهامات الكثيرة للروح القدس
وأن تكون مطيعة لتعاليمه
 فتعتني بالدعوات الى الخدمة الكهنوتية والحياة المكرسة.
أسند الأساقفة والكهنة والشمامسة
والمكرسين وكل المعمدين في المسيح
حتى يتمّموا بأمانة رسالة خدمة الإنجيل.
نسألك ذلك بالمسيح ربنا. امين.
يا مريم، سيدة الرسل، صلي لاجلنا.
 

 

"إيكولوجيا السلام"..
الشخص البشري، قلب السلام..

 

. مع مطلع السنة الجديدة أوجه أمنية سلام إلى الحكام والمسؤولين عن الأمم وكذلك أيضا إلى جميع الرجال والنساء ذوي الإرادة الصالحة وبشكل خاص إلى المتألمين والقابعين تحت تهديد العنف وقوة الأسلحة أو المداسة حقوقهم والساعين إلى استعادة مكانتهم البشرية والاجتماعية. أوجّه هذه الأمنية إلى الأطفال الذين ببراءتهم يغنون الإنسانية بالطيبة والرجاء، ويدفعون بنا بألمهم كي نكون جميعا فعلة عدل وسلام. إني إذ أفكر بالأطفال، وخصوصا منهم أولئك المعرضين لخطر الاستغلال ولشر كبار يفتقرون إلى الإحساس بالواجب، شئت لمناسبة يوم السلام العالمي أن ينصب الاهتمام المشترك على موضوع: الشخص البشري، قلب السلام. في الواقع، إني على اقتناع بأن احترام الشخص يعني إنماء السلام، وبأن بناء السلام يرسي قواعد أنسنة كاملة وأصيلة. وعلى هذا النحو نهيء مستقبلاً هنيئاً للأجيال الجديدة.
الشخص البشري والسلام: عطية وواجب
2. يقول الكتاب المقدس: "خلق الله الإنسان على صورته؛ على صورة الله خلقه ذكرا وأنثى خلقهم" (التكوين 1،27). وبما أن الإنسان مخلوق على صورة الله فإن للفرد البشري كرامة الشخص فهو ليس فقط شيئا ما إنما شخصاً قادراً على التعرف على ذاته وعلى امتلاكها وكذلك أيضا على تكريسها بحرية والترابط مع الآخرين. وفي الوقت عينه إنه مدعو، بفعل النعمة، إلى تحالف مع خالقه ليقدم له، هو ولا غيره، برهان إيمان ومحبة (1). وفي إطار هذا التطلع العجيب يمكن فهم المهمة الموكلة للكائن البشري في تحقيق نضوجه الذاتي ضمن القدرة على المحبة والرقي بالعالم من خلال تجديده في العدل والسلام. يعلما القديس أوغسطينس أن "الله الذي خلقنا بدوننا، لم يشأ خلاصنا بدوننا" (2). وبالتالي من واجب جميع الكائنات البشرية زرع الوعي بالوجه المزدوج للعطية والواجب.
3. السلام أيضا هو عطية وواجب. فإذا كان من الصحيح أن للسلام بين الأفراد والشعوب ـ القدرة على العيش الواحد جنب الآخر ونسج علاقات عدل وتضامن ـ يشكل التزاما لا يعرف وقفة، فصحيح أيضا، وربما أكثر بكثير، أن السلام عطية من عند الله. السلام، في الواقع، ميزة للعمل الإلهي الذي يظهر سواء في خلق كون منتظم ومتناغم أم في فداء الإنسانية المحتاجة للتخلص من فوضى الخطيئة. الخلق والفداء يوفران المدخل لفهم معنى وجودنا على الأرض. في خطابه أمام الجمعية العامة الخمسين للأمم المتحدة في 5 أكتوبر 1995، قال سلفي البابا يوحنا بولس الثاني "إننا لا نعيش في عالم غير عقلاني أو خال من المعاني [...] فهناك منطق أدبي ينير الوجود البشري ويسهل الحوار بين البشر والشعوب" (3). إن "القاموس" المتسامي، أي مجموعة قواعد تصرف الفرد والعلاقة المتبادلة بين الأشخاص وفقا للعدل والتضامن، مكتوب في الضمائر حيث ينعكس تدبير الله الحكيم. وكما شئت التأكيد مؤخرا على "أننا نؤمن بأنه في البدء كان الكلمة الأبدي والعقل ولا اللاعقلانية"4. السلام إذا واجب يلزم كل فرد بإعطاء جواب شخصي يتطابق مع التدبير الإلهي. أما المعيار الذي يستند إليه هذا الجواب فهو احترام "القاموس" الذي كتبه في قلب الإنسان خالقه الإلهي. وفي هذا التطلع لا يمكن اعتبار مبادىء القانون الطبيعي توجيهات مفروضة من الخارج تحد من حرية الإنسان. بل بالعكس يجب القبول بها كدعوة لتحقيق التصميم الإلهي الشامل المكتوب في طبيعة الكائن البشري. وبهدى هذه المبادىء بإمكان الشعوب ـ في إطار ثقافاتها ـ التقرب من السر العظيم أي سر الله. إن الإقرار بالقانون الطبيعي واحترامه يشكلان اليوم أيضا القاعدة الكبرى للحوار بين مؤمني مختلف الديانات وبين المؤمنين وغير المؤمنين. وهي نقطة التقاء رئيسة وبالتالي شرط أساسي لسلام أصيل.
الحق في الحياة وفي الحرية الدينية
4. إن واجب احترام كرامة كل كائن بشري، حيث تنعكس فيها صورة الخالق، يقتضي تحاشي تقييد الشخص بتصرفات معينة. ولا يمكن لمن له السلطة السياسية والتكنولوجية والاقتصادية أن ينتهك حقوق الآخرين الأقل حظا. إن السلام، في الواقع، يستند إلى احترام حقوق الآخرين. وإن الكنيسة إذ تدرك هذا الواقع تسعى جاهدة للدفاع عن الحقوق الأساسية لكل شخص وتطالب خصوصا باحترام الحياة والحرية الدينية لكل فرد. إن احترام الحق في الحياة في مختلف مراحلها يضع قاعدة هامة: الحياة عطية لا يمكن للفرد أن يتملك بها كليا. وبشكل متساو فإن التأكيد على الحق في الحرية الدينية يضع الكائن البشري في علاقة مع مبدأ متسام يبعده عن حكم الإنسان. إن الحق في الحياة وفي التعبير الحر عن الإيمان بالله لا يخضع لسلطة الإنسان. والسلام بحاجة إلى رسم حدود واضحة بين الموجود وغير الموجود وذلك لتفادي تدخلات غير مقبولة في تراث القيم التي هي للإنسان.
5. في ما يتعلق بالحق في الحياة لا بد من التنديد بتبسيط مجتمعنا لهذا المبدأ. فإلى جانب ضحايا النزاعات المسلحة والإرهاب ومختلف أشكال العنف هناك الموت الصامت وليد الجوع والإجهاض والتجارب على الأجنة والموت الرحيم. كيف لنا ألا نرى في كل هذا تعدياً على السلام؟ يشكل الإجهاض والتجارب على الأجنة رفضا مباشرا لقبول الآخرين وبالتالي لإقامة علاقات سلام دائمة. أما في ما يتعلق بحرية التعبير عن الإيمان هناك مظهر مقلق لغياب السلام في العالم يكمن في الصعاب التي يتعرض لها المسيحيون وأتباع الديانات الأخرى في ممارسة معتقداتهم الدينية بحرية. وإذ أتحدث بخاصة عن المسيحيين أقول بأسى إنهم لا يُمنعون فقط في بعض الأحيان من ممارسة هذا الحق بل يُضطهدون في بعض الدول. ولقد حصلت مؤخرا أحداث عنف مأسوية. وهناك أنظمة ذات طابع مذهبي تفرض على الجميع دينا واحدا في ما تغذي أنظمة غير مبالية، لا تعتمد الاضطهاد والعنف، السخرية الثقافية تجاه المعتقدات الدينية. وفي كل الأحوال لا يُحترم حق بشري أساسي مع ما يولد هذا الأمر من تبعات خطيرة على التعايش السلمي وينمي عقلية وثقافة سلبية بالنسبة للسلام.
المساواة في طبيعة الأشخاص
6. من أسباب التوترات الكثيرة التي تهدد السلام هناك حالات كثيرة من عدم المساواة في العالم. وأكثرها خطورة عدم المساواة في مجال التمتع بالخيرات الأساسية شأن الغذاء والماء والمسكن والصحة من جهة، ومن جهة أخرى، استمرار عدم المساواة بين الرجل والمرأة في ممارسة الحقوق الإنسانية الأساسية. إن الإقرار بالمساواة الجوهرية بين البشر يشكل عاملا بالغ الأهمية لبناء السلام وينطلق من كرامتهم المشتركة والمتسامية. المساواة إذن خير للجميع يندرج في "القاموس" الطبيعي المتأتي من تدبير الخلق الإلهي؛ خير يسبب، إذا ما تم احتقاره وتجاهله، تأثيرات خطيرة تعرض السلام للخطر. فوراء النقص الذي تعاني منه شعوب كثيرة وبخاصة في القارة الأفريقية هناك مطالب تشكل تعديا خطيرا على السلام.
7. كذلك أيضا إن نقص الاعتبار تجاه وضع المرأة يدخل عوامل تزعزع استقرار المجتمع. أفكر باستغلال النساء اللاتي يعاملن بسطحية وبأشكال غياب الاحترام تجاه كرامتهن. وأفكر أيضا ـ ضمن مفهوم مختلف ـ بالرؤى الانتروبولوجية الموجودة في بعض الثقافات والتي تخضع المرأة لسلطة الرجل ما يولد نتائج مضرة بكرامتها كشخص ويعيقها من ممارسة حرياتها الأساسية. لا يمكن ضمان السلام إذا لم نتجاوز أيضا أشكال التمييز التي تجرح كرامة الشخص التي أرادها الخالق لكل كائن بشري (5).
"إيكولوجيا السلام"
8. كتب البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامة السنة المائة: "فالله قد جاد بالأرض على الإنسان ليستخدمها مع مراعاة النية الأصلية التي لأجلها أعطيت له رزقا حسنا، ولكن &#