THE SACRED HEART OF JESUS

 

 

باسم الآب والإبن والروح القدس إله واحد آمين.

مقالات متنوعة

المسيحية و ظاهرة العنف التي تجتاح العالم في هذه الأيام        عن  Call of Hope
لا شك أنّ ظاهرة العنف التي تجتاح العالم في هذه الأيام، ظاهرة تدعو إلى التأمل والقلق. فلقد أصبح الإنسان يقتل أخاه الإنسان بشكل لم يحدث من قبل حتى في أقدم العصور تخلفاً. فالقتل اليوم ليس لأجل قضية ولا يُوجَّه ضد أعداء، بل القتل يتم لشهوة القتل، ويُوجَّه ضد أناس لا علاقة لهم بقضايا، كراكبي طائرة أو سفينة أو مشاة في شارع أو مرتادين في مقهى. وقد يُوجَّه ضد إنسان ينتمي إلى فكر معين أو جنس آخر أو وطن معادٍ، دون أن تكون له مواقف تستدعي القتل علماً أنّ كلَّ هذه المبررات قد وُضعت خطأً لتبرير القتل الذي حرّمه الله. فهو يقتل لمجرد الإنتماء، وهذا ما يسمى بالقتل حسب الهوية.

وموقف المسيحية من العنف أُخذ عليها لا لها. فلقد ظنَّ الكثيرون أنَّ التسامح الذي تبديه المسيحية في تعاليمها هو ضعف، لا يصلح في مقاومة العنف الذي يكتوي العالم بناره اليوم، وإن كان البعض يطلقون على هذا الضعف تسامياً - تأدباً منهم - بقولهم إنَّ سمو تعاليم المسيحية لا تصلح في مجتمعات اليوم.

لكن المتأمل جيداً في كلمات المسيح التي يتعرَّض فيها لظاهرة العنف، لا يجد فيها أي مسحة من الضعف، بل يكتشف فيها قوة غير عادية لنزع بذور الانتقام من داخل الإنسان، ومعالجة العنف بصورة مثلى. ودعونا نقرأ ما قاله المسيح: "سمعتم أنَّه قيل عين بعين وسن بسن. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضاً. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، فاترك له الرداء أيضاً. ومن سخرك ميلاً واحداً فاذهب معه اثنين. من سألك فأعطه. ومن أراد أن يقترض منك فلا تردَّه. سمعتم أنه قيل تحب قريبك وتبغض عدوك. أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم. وصلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم" ﴿متى 5: 38-44﴾.

المسيح هنا يقول إنَّ التجاء شخص ما إلى العنف لتوفير احتياجاته أو فرض آرائه ليس من الإنسانية في شيء. ولا يلجأ إنسان إلى العنف إلا تحت ضغوط اجتماعية ونفسية واقتصادية رهيبة. فبدلاً من أن تدين الضارب وتضربه أي تعاقبه، وبهذا تنتهي المشكلة ظاهرياً، سواء بردعه أو بمنعه عن الضرب غصباً، فمن الأصوب أن تعالج ظاهرة العنف ذاتها، وذلك بأن تمتص الضربة الأولى. فالذي يلجأ للضرب أو الاغتصاب أو تسخير الآخرين، يحتاج إلى عطف لأنه يتصرَّف بدون عقل، ويحتاج إلى من يمتص غضبه ثم يعالجه بعد ذلك. إنَّ امتصاص الضربة الأولى ينزع بذور الانتقام من دواخلنا، ويدعونا للتفكير في احتياجات من يلجأ إلى العنف، سواء احتياجه للثقافة أو للعمل أو للمال. ولذلك يقول المسيح: "من سألك فأعطه". ولم يوضح ماذا سأل وما الذي تعطيه له. إنَّ المسيح يقول ﴿أعطه﴾ ما ترى أنه في حاجة إليه، ربما احتياجه لا إلى ثوب بل إلى إحساس بالأمان...لا إلى عزلةٍ، بل إلى حب وانفتاح وعطاء ذات.

إنَّ مقابلة العنف بالعنف لن يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيداً. والمسيح يقول بدلاً من أن ترد بالضرب وتعفي نفسك من المسؤولية، فكر في احتياجات من يلجأ للعنف. إنَّ الذي يريد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك، اترك له الرداء أيضاً، لأنَّ دفاعك عن الثوب هو دفاع عن فكر خاطئ أو موقف خاطئ للمجتمع ولك تجاه هذا الشخص. وهذا الموقف الخاطئ هو الذي دفع هذا الإنسان لأن يعتدي عليك ويأخذ ثوبك. لذلك عليك أن تعطيه الثوب والرداء ليهدأ، ويكون هذا اعترافاً منك بخطأ موقفك كشخص وشريك لخطأ مجتمع. ثم عليك أن تهدأ وتقيم حواراً مع نفسك للإجابة على عدة أسئلة هامة جداً: لماذا خاصمني؟! لماذا أراد ثوبي؟ لماذا لجأ للعنف لتحقيق هذا؟!

والسؤال الملح الآن، هو كيف يصل الإنسان إلى هذا المستوى من النضج؟! والمسيح لم يترك هذا السؤال معلقاً بلا إجابة، بل قدم إجابته بحسم وموضوعية، فقال، لكي يصل الإنسان المؤمن إلى هذا المستوى الرفيع من الفكر والروحانية، عليه أن يثق بذاته وبسلطان المسيح فيه.

"سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر، بل من لطمك... لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين" ﴿متى 5 :38-45﴾.

إنَّ عدم مقاومة الشر وامتصاص نوبة العنف، لا يقدم عليها إلا إنسان واثق بذاته والقوة التي تعمل فيه. فهو ابن لأب يشرق على الجميع مهما كان موقفهم منه، ويمطر على الكل دون تمييز. والثقة بالذات ترفع المؤمن فوق القانون الطبيعي. والسمو فوق القانون يأتي نتيجة الثقة بالعدل والإحساس بالسلطان.

فلكي نحقق الهدف من هذه الوصايا علينا أن نضيق الفارق بين ما نفكر فيه وما نمارسه. إنَّ الفكر هو :لا تقاوموا الشر، والممارسة هي: كيف نحقق هذا رغم الاحتكاك البدني والعنف المادي والنفسي؟! ما ذكره يسوع من إدارة الخد وترك الرداء هي مجرّد أمثلة، وعلينا نحن في عصرنا الحديث، أن نترجم "لا تقاوموا الشر" الترجمة المناسبة، في مواجهة الشرور العصرية، كالضغط النفسي وضغط الإعلام والحرمان من وظيفة أو ترقية...الخ

وليس الغرض فقط أن نرتفع نحن كبشر ونسمو بعدم مقاومة الشر، بل أن نقضي على الشر بصورة إيجابية واضحة، ويتم ذلك بعدم المقاومة. فالهدف هو محاربة الشر والقضاء عليه بصورة يومية ومتكررة.

إنَّ الطريق العادي الذي يسلكه الإنسان عندما يُعتدى عليه هو الانتقام. فاللطم يقابله تلقائياً لطمة مضادة.. وهكذا. لكن المسيح هنا يقول: لا تسير في الطريق العادي الذي يسير فيه كل البشر. فإن كنت تريد أن تطهر ذاتك من الانتقام خذ الطريق المضاد. لا تقاوم.. حوِّل الآخر.. اذهب معه اثنين... أعط ولا ترد أحداً.. إنه تدريب روحي ونفسي لتغيير شخصيتنا والسمو بها. إنَّ المسيح يدرِّب أتباعه هنا لتكون لهم نظرة جديدة للحياة، ولكي تتطوَّر شخصياتهم، ويقتلعوا جذور الانتقام من قلوبهم، الذي هو في الأصل اتجاه غريزي حيواني.

هل لنا طموح للوصول للكمال؟ إذاً لنتدرب على كيف نحب أعداءنا، وكيف نحقق الهدف من وجودنا في وسط المجتمع الذي نعيش فيه، وكيف نصلح أنفسنا والآخرين دون اهتزاز للثقة بالنفس، ودون إحساس بالضعف. فنحن نقوم بهذا من موقع قوة وسلطان، وفهم وإدراك، ومشاعر وأحاسيس. من موقع المسامحة والصفح والغفران والمحبة كما علَّمنا المسيح.

 

 

 

كيف تحقق السعادة؟
لا شك في أنَّ الإنسان منذ وجوده على الأرض وحتى اليوم وهو يبحث عن السعادة. والسعادة لا تأتي إلا إذا توصَّل الإنسان لأفضل طريقة يعيش بها حياته، أو الطريقة المثلى التي يستخدم بها ما بين يديه من وقت ومال. ولقد رسم الله طريقاً للإنسان - إذا اتبعه - جعل حياته أكثر سعادة وبهجة. فالذي يعتقد أنّ طريق الله هو طريق الحزن والألم والهروب من الحياة وعدم مواجهتها، فقد فهم الله بطريقة خاطئة. إنَّ الله يعلِّم الإنسان كيف يضع الشيء الصحيح في مكانه الصحيح، وكيف يتعامل مع المعطيات الحياتية التي وهبها له من طبيعة وأشياء وأموال ومواهب بالأسلوب الأمثل، لكي تتحقق له السعادة الكاملة.

والمال من الأمور الحياتية المختلف عليه بشدة. فالبعض يعتقد أنَّ المال هو سر سعادة الإنسان، والآخر يظن أنه مصدر الشقاء. والإثنان يحاولان أن يجدا ما يؤيد فكرهما من الكتب المقدسة.

وبادئ ذي بدء نقول إنَّ الله ليس ضد المال، لكنه يطلب أن نضعه في المكان المناسب له، ويؤكد أنَّ سعادة الإنسان غير مرتبطة به بشكل مطلق. المسيح لا ينفي وجود المال أو أهميته، فلا بد وأن يكون لدينا مال. لكن المشكلة هي: أين نضع المال؟! فالمكان الذي نكنز فيه هو المشكلة الحقيقية.

كان تنبير المسيح على أن لا تتعلق نفس الإنسان بأشياء متغيرة يكون هو نفسه غير قادر على حمايتها أو صيانتها; فانهيار الأمور المحبوبة أمام الإنسان أو انهياره هو أمامها ُيفقده معنى الحياة والسعادة. وكم من أناس فقدوا حياتهم أو ماتوا أدبياً لتعلقهم بأشياء تفنى. ولذلك يقول المسيح، لا تبني حياتك أو سعادتك على شيء طابعه التغير، أو غير مضمون. ولا تبني حياتك وسعادتك على أوهام وسراب. إنَّ الأموال والأشياء وسائل لتحقيق السعادة لكنها ليست هي المصدر الأصلي للسعادة، لأنها قابلة للفناء والانهيار. يقول المسيح: "اكنزوا لكم كنوزاً في السماء، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب السارقون ويسرقون" ﴿متى 6: 20﴾.

وهنا نجد الجانب الإيجابي، حيث يقول ضع كنزك حيث يمكنك الاحتفاظ به للأبد، وحيث من المستحيل أن تخسره. والكنز الحقيقي الذي لا يبلى، ويحقق السعادة الدائمة للإنسان، هو معرفة الطريق الصحيح إلى الله: علاقة صحيحة مع الله وفي الله، ومعرفة المسيح والوجود فيه. والوجود فيه يعني عطاء الذات مثله. فنحن نعيش أزمة عطاء وتضحية. نعيش حياة التقوقع على الذات والأنانية. فقد أصبح كل شيء مادياً ويقاس بالماديات. لكن متى أصبح الله كنزك، فسيبقى إلى الأبد. فليكن الله مصدر السعادة الثابت بالنسبة لك، وهو قادر أن يستخدم الأشياء المتغيرة الفانية لإسعادك. فهو يستخدم المال والأبناء والصحة والمواهب، كوسائل تتحقق من خلالها السعادة. لذلك لا تخسر مصدر السعادة الذي يمكن أن تضمنه. ينبِّهنا المسيح بقوله إنَّ الشيء الذي يأخذ عقلك ووقتك وجهدك سوف يأخذ قلبك وعواطفك بعد ذلك وهذه تصنع انقساماً داخل الإنسان.

المشكلة تتركز في أننا نضع الله والمال على طرفي نقيض وعلى مستوى واحد، بمعنى إما الله أو المال. وهذا هو المقياس الخاطئ. من الطبيعي أن يكون الله كل شيء، إنما هذا لا يعني أنَّ المال لا شيء. المقصود هنا: من هو الأول في حياتك؟ إذا كان المال الأول في حياتك، فعليك أن تحبه وتضع قلبك وفكرك عليه كليةً. وهذا سيحقق لك نوعاً من السعادة المؤقتة التي تنتهي بانتهاء المال أو الحياة. أما إذا كان الله أولاً فلتضع قلبك وفكرك فيه، وتحبه بكل القلب والفكر والنفس، وهذا يحقق لك السعادة الأبدية. فهذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.. "فإذا كانت العين بسيطة ﴿وكلمة بسيطة هنا تعني غير مركبة أي أحادية النظرة والإتجاه﴾، فالجسد كله يكون نيراً، لأنَّ أولويته واضحة من خلال العين. وإن كانت العين شريرة ﴿ تنظر في اتجاهات متعددة﴾ فالجسد كله يكون مظلماً" ﴿متى 6: 22و23﴾، لأنه - في هذه الحالة - ينقسم على ذاته، ويحدث صراع باطني يكون من نتيجته تحطيم الإنسان من الداخل.

إنَّ العين الشريرة هي تلك التي تجلس وتنظر بشراهة لكل ما يُعرض أمامها، وتتمنى أن تحصل على كل شيء تراه وتحس بالتعاسة لأنها لم تحصل عليه. يقول المسيح: لكي تتحقق سعادتك في الحياة تعلَّم الاكتفاء ودرِّب عينك على أن تكون بسيطة.

إنه من المستحيل وجود سيدين لعبد واحد. فعلى الإنسان أن يحدِّد من هو سيده: الله أم المال؟؟ وعندما يحدِّد الهدف، يستطيع أن يسير في اتجاهه دون تقلقل أو قلق. فالإنسان الذي يرتب أولوياته جيداً، يكون قادراً على صنع سعادته.

وهكذا نرى أنَّ السعادة ليست أمراً مستحيل التحقيق، بل هي في متناول الإنسان، إذا لم يبن سعادته على شيء يعجز عن الاحتفاظ به كالمال أو المركز أو الأشخاص، بل يبنيها على مصدر مأمون ومضمون، هو الله، في نفس الوقت الذي يصنع فيه مصالحة داخلية بين فكره وقلبه، ولا يتجاهل هاتين الحقيقتين: أهمية الاكتفاء، واستحالة خدمة سيدين.

أيها القارئ الكريم،

لا شك أنًّ كل إنسانٍ يبحث جاهداً للحصول على السعادة. إلاّ أنها إن لم تأتِ من داخل القلب، مبنية على محبة يسوع، فلا تكون سعادة حقة.

 

 

ما لقيصر وما لله      للاب الأنبا موسى
قال السيد المسيح له المجد:"أعط ما لقيصر لقيصر ... وما لله لله"( مت21:22). فما المقصود بذلك؟ هل هو فصل بين الحياة الأرضية المادية، والحياة الروحية الأبدية؟ هذا انفصام مرفوض، فالمقصود فقط هو الأمانة فى المسئوليتين، فالإنسان المؤمن أرضه تنفتح على السماء، وزمنه يمتد إلى الأبدية.

1:المسيحى... وقيصر:


قيصر هو العالم، وانشغالات الأرض، ومسئوليات الحياة اليومية، والواجبات المطلوبة من المؤمن، نحو الدولة والوطن. والسيد المسيح حدد لنا مفهوم العالم فى يوحنا (17) كما يلى:


 "لستم من العالم" ... أى أن طبيعتنا التى تجددت بالإيمان بالمسيح
والمعمودية، والأسرار المقدسة، والأعمال الصالحة كثمار للإيمان، تظهر الإنسان المسيحى بأنه يملك رؤية مختلفة للأمور، ويرى الحياة بنظرة جديدة. فهو يحيا بأسلوب مختلف عن "أهل العالم" ... وقد أوضح لنا الرسول يوحنا ذلك بقوله "لأن كل ما فى العالم شهوة الجسد، وشهوة العيون، وتعظم المعيشة" (1يو16:2 )... ولذلك فإن من يحب العالم – كشهوات ومقتنيات – إنما يفقد محبته لله.. بل يصير فى عداوة معه... "أن محبة العالم عداوة لله" (يع 4:4)..."لأن اهتمام الجسد موت" (رو6:8).. أى أن المشغول بالأرضيات والحسيات فقط، إنما يسير فى طريق الموت الأبدى.


 "لست اسأل أن تأخذهم من العالم" أى أن السيد المسيح لا يريد من أتباعه أن يتركوا العالم، ويعتزلوه، ويمضوا جميعاً إلى البرارى والصحارى.. بل هو يقصد أن نستمر فى العالم لنؤدى دورنا فيه، ولنجاهد ضد الدنايا والسلبيات. وهذا الجهاد لا يمكن أن ينجح بدون مؤازرة وعمل النعمة، أى عمل روح الله القدوس، فى طبيعتنا البشرية الساقطة، لتصير مقدسة بنعمته. إن القلة القليلة التى تتخذ من الرب عريساً نهائياً لها، فى طريق الرهبنة والبتولية، لها منهجها الخاص، ولكن الأغلبية المدعوة للزواج المقدس، واستمرار النوع الإنســانى، وتقديم كثيرين إلى الملكوت من أبنائهم وبناتهم، لا ش،ك أن لهم دور جبار وهام فى بناء ملكوت الله العتيد.


"كما أرسلتنى إلى العالم... أرسلهم أنا إلى العالم"...
وهنا يبرز سبب استمرارنا فى الأرض، وسط الناس، لكى نقدم شهادة أمينة للرب،ونخدم إخوتنا فى المسيح خدمة مقدسة، ونعطى نماذج للمجتمع تظهر مدى وجود الله فينا، فيمجد الناس أبانا الذى فى السموات. إنها – إذن – إرسالية خدمة، شبهها الكتاب المقدس بتشبيهات عديدة مثل:
- "النور"..."أنتم نور العالم" (مت14:5) الذى يهزم حلول الظلمة
- "الملح" ..."أنتم ملح الأرض" (مت13:5) الذى حفظ العالم من الفساد
- "السفير" ... "إذ نسعى كسفراء عن المسيح" (2كو20:5) نقدم صورة المسيح للناس، فيتعرفوا عليه من خلالنا، ويصطلحون مع السماء.
- "الخميرة" ..."خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (غل9:5) والخميرة تحتوى على بكتريا حية تتكاثر فتخمر العجين الميت، تماماً كالمؤمن الذى يشرق بالمسيح الساكن فيه، فيرى الناس نور المسيح من خلاله.
_ "الرسالة" ... "أنتم رسالتنا مكتوبة فى قلوبنا معروفة ومقروءة من جميع الناس " (2كو2:3) فسلوكيات المسيحى الحقيقى، إنجيل متحرك ومعاش.
- "والرائحة الزكية""أنتم رائحة المسيح الزكية"، فالمسيح رب المجد عطر وناردين، جمال روحى، وإنعاش يومى، للنفس المؤمنة.


2-بين قيصر... والله:


لا انفصام إذن، بل تكامل، فالإنسان المؤمن المهتم بخلاص نفسه وحياته الأبدية، هو بعينه المواطن الأمين الملتزم بكل الواجبات الأرضية والزمنية، لا يهرب من عمل صالح، ولا من محبة حقيقية، ولا من خدمة الآخرين، ولا من مسئوليات وظيفته، ولا من واجبه الوطنى المدنى والعسكرى، ولا من أداء الضرائب، ولا من دوره فى بناء المجتمع من خلال الأحزاب والنقابات والجمعيات واتحادات الطلاب وكافة مؤسسات المجتمع المدنى.
من هنا فأفضل إنسان أمين على قيصر، هو ذلك الإنسان الأمين فى جهاده الروحى، واهتمامه الأبدى. فالمستقبل الأبدى يبدأ من الزمنى، وهو امتداد له. وما أخطر أن ينشغل الإنسان بشئون قيصر دون شئون الله، فهذا أقصر طريق إلى الهلاك. وكذلك ما أخطر أن ينشغل الإنسان بأمور الروح ويهمل واجبه الأرضى والعائلى والمجتمعى، فهذا إنسان معثر، قال عنه الرسول بولس: "إن كان أحد لا يعتنى بخاصته، ولا سيما أهل بيته، فقد أنكر الايمان، وهو شرّ من غير المؤمن" (1تى8:5) ما أقسى حكم الله علينا، إذا أهملنا التزامنا الدنيوى، بدعوى اهتمامنا الدينى. وما أخطر أن ننشغل بالدنيا عن الآخرة. إن "التوازن" هو الكلمة الفاصلة فى هذا الأمر. أو قل "التكامل"، فالزمنى هو بداية الأبدى، والأمانة لقيصر هى ضمن الأمانة لله.
علينا إذن أن نؤدى كل واجباتنا الأرضية، كمسيحين نحب الجميع، لا ننحصر فى أسر الطائفة الضيق، بل يمتد أفقنا إلى الوطن الواسع، بل حتى إلى البشرية جمعاء!

 

عجائب وظهورات  المطران جورج خضر
تبدأ قصّة أحد توما بهذا: ان التلاميذ رفقاءه كانوا مجتمعين لسبب الخوف من اليهود وظهر لهم السيد يوم القيامة مساء وما كان توما معهم ولما عاد الى البيت الذي كانوا فيه واخبروه بأنهم رأوا المعلم قال لهم: "ان لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا اؤمن". ثم في الاحد اللاحق حضر يسوع وقال لتوما: "هات اصبعك الى هنا وابصر يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل كن مؤمنا. فأجاب توما وقال له: "ربي والهي". والكلمتان معرّفتان باليونانية وتدلان على ربوبية يسوع والوهيته بما هو اقوى من آيات كثيرة.
ما همّني اليوم من ايراد هذه الرواية ان المعلم لم يأنف ان يتنازل الى شك توما فيدعه يفتش أثر المسامير والجنب المطعون ويأتي يقين توما هنا من تفتيشه جسد المخلص ما جعله أعظم شاهد للقيامة.
يتراءى السيد لهذا التلميذ من اجل رده الى الايمان. وهذا يطرح مسألة معنى العجائب التي اتمها يسوع. لم يرد في الكتاب انه قام بأعجوبة ليثبت قدرته. السبب الوحيد لانعطاف الناصري على المرضى انه تحنن عليهم مثل قول الانجيل: "فتحنن يسوع ومد يده" (مرقس 41:4). والمصدر يرد مرات في الاناجيل الثلاثة الاولى وعندما يقول: "صدقوني اني في الآب والآب فيّ . والا فصدقوني لسبب الاعمال نفسها" (يوحنا 11:14) فمن الواضح ان الاعمال اي المعجزات تأتي بالدرجة الثانية بعد الكلام. المعجزة صورة من صور البشارة.
ينسب التاريخ الكنسي عجائب الى الرسل واردة في سفر اعمال الرسل ليدلل على الامتداد لفاعلية القيامة عند من شاهدوها وفي المنطق المسيحي الذي كشفه بولس بنوع خاص ان المخلص ممدود الى احبائه وانهم يؤلفون جسده وفي المصطلح الحديث كيانه او حضوره. ويقيننا ان الكنيسة في ما نسميه الاسرار مثل القرابين او مسحة المرضى هي مطرح الشفاء. وهذا لاحظناه في كل اجيالنا وكل بلدان العالم والكلام في هذا كثير. وقد يحظى المريض بشفاء إذا استشفع احد القديسين او استشفع سواه من أجله.
وأقرباء الشخص المعافى او أصدقاؤه يلحظون هذا لعلمهم بأن المرض ثابت. ومع ذلك لا تفرض عليك الكنيسة ان كنت من الجوار او كنت بعيدا ان تصدق ان معجزة حصلت لسبب ان هذا ليس في الانجيل والانجيل انت تؤمن به وكل فحواه. وغير هذا وغير ما ورد في المجامع المقدسة ليس موضوع ايمان ولكنه موضوع قناعة بشرية. انت تؤمن بما هو كشف إلهي يلزم الضمير. وما لا يلزم الضمير هو من باب تقديرك وانت تحيا  حياة الايمان. من هنا ليس من تكفير ممكن بين المؤمنين اذا قال قوم ان الاعجوبة المنسوبة الى هذا القديس او ذاك اليوم حدثت ام لم تحدث. التكفير يقع فقط على من أنكر العقيدة.
الى هذا موضوع الترائيات او الظهورات المنسوبة الى السيدة العذراء او غيرها من القديسين. بادئ بدء في الكنيسة حذّر من الظهورات ومن كثرتها في حقبة تاريخية خشية الاختلاط بين الترائي الحقيقي والتخيل الإبليسي. ومن الواضح حرص الكنيسة الكاثوليكية على امتحان هذه الظاهرات اذ فيها يكثر الحديث عن الظهورات. هي قليلة في الكنيسة الارثوذكسية ولست أعرف ادبيات عن ترائي مريم في الكنيسة الشرقية ولو عرفنا ذكر معجزات مريمية وغير مريمية. في الواقع الكنيسة الغربية تستمع الى ما يحكى عن ترائيات وتقبل القليل منها.
أما لبنان فقد أضحى بلد الظهورات المريمية في بعض الاوساط النسائية واللافت وحدة الكلام الصادر عن هذه الاوساط. وحدة الكنائس، سلام لبنان وبعامة حديث مسكوني ولبناني. لماذا رسالة واحدة من السماء؟.
أما موقف الكثلكة الرسمي من هذه الترائيات فهو ان موافقة الكنيسة على رؤية خاصة لا يتعدى الاذن بتعريف هذه الرؤية لتعليم المؤمنين وخيرهم.
ثم هذه الرؤى وان قبلتها الكنيسة لا تعني قبول ايمان ولكن قبول اعتقاد بشري. وتاليا يمكن الا يقبل الانسان بحدوث هذه الرؤى.
هذا باختصار موقف الكثلكة كما عبّر عنه البابا بنديكتس السادس عشر.
أن يخترق أولياء الله بإذنه حجب المدى والزمان فهذا وارد. غير ان الأمر في قراءتي هو أولاً لخير من يشاهد الظاهرة كرسالة له من السماء. اذا اثبتها العارفون الاتقياء بعد تدقيق وفحص الشخص وقدسية حياته ورجاحة عقله وتوازن شخصيته يمكن ان يفيد منها المؤمنون الآخرون. ولكن أية محاولة منه أم من فريق داعم له لفرض التصديق لهذه الرؤية يدخل شكاً كبيراً في الأمر كله لأن تصرفاً كهذا ليس من روح الله. ما لم يرد في كتاب الله متروك لتقدير المؤمنين الكبار والأسقف المحلي.
•••
في هذا الصدد ما يقلقني أولاً ان عند بعض الناس سعياً لا يهدأ الى العجيبة ودعوة الى تصديقها واخراجها الى الاعلام وفي هذا تحويل الانظار من الكلمة الى الاعمال الخارقة وديانتنا تقوم على الكلمة أولاً كما خرجت من فم الرب... أرجو ان يعود الذين يزورون الأماكن المقدسة تائبين وقد رأيت بعضهم يتكلمون باسهاب وحماسة عن هذه الظاهرة  أو تلك وما رأيتهم يعرفون كلمة الله ويتلون آية واحدة من الكتاب الالهي. اليست كلمة الرب نوراً وحياة كل يوم؟ اليست المائدة المقدسة التي عليها الخبز السماوي اعجوبة الاعاجيب وغذاء أوفر دسماً من كل رؤية؟
شكواي أبداً من الذين يهملون الكلام الذهبي الخارج من فم الله ليعوضوه برسائل – والكلمة لهم – تنزل من السماء على هذا الانسان وذاك.
ولئلا يساء فهمي أنا ما انكرت بصورة قطعية ظاهرة او ترائياً وما انكرت اعجوبة تحدث عنها هذا او ذاك بصورة حاسمة ولكني وصدقت مرات وما صدقت مرات وفي هذه الأمور ليس من جزم. ولكني أخشى ان يحجب نور الانجيل بروايات التقوى التي لا أشك في طهارة صاحبها ولا يهمني ان أفحص طهارته أو ألا أفحصها ولكني أقرب الى تصديقه عندما أعرفه ممتلئاً من الكتاب الذي لا يزال المصدر الاول للاعمال الصالحة.
لما قال يسوع لتوما: كن مؤمناً أراد ان يؤمن بصليبه وقيامته الرسول، وأن يبشر بهما ويحملهما، الى أقاصي الارض. هذا ما يخلص.

 

الكلام في الدين  بولس الخوري
لا يسعني في هذه المحاولة أن أتوسع في تحليل معاني الكلام ومعاني الدين بغية التمكّن من الجواب عن الأسئلة الكثيرة والمعقدة التي قد تُطرَح في موضوع الكلام الدينيّ. أكتفي بعرض مبسَّط لما تتكوّن منه عملية الكلام، يليه عرض لأمهات الاصطلاحات التي يتكوّن منها الكلام الديني، يلي ذلك السؤال عن طبيعة هذا الكلام وعن طبيعة المعنى الذي قد يكون له.
عناصر عملية الكلام
أن أتكلم يعني أني، أنا المتكلّم، أقول شيئا، في موضوعٍ ما، للمخاطَب، وفاقا لمجموعة قواعد لغوية مشتركة، تجعل المخاطَب يفهم في أيّ موضوع كان القول وما مضمون القول في هذا