| |
| |
إنّ أشغاله
العمرانيّة الكثيرة جعلته على اتّصال بالحكومات المتسلسلة
وبرجالات لبنان. وقد زار دير الصليب أكثر من شخصيّة مسؤولة،
منهم: |
| |
الرّئيس اميل
ادّه، الذي منحه وسام الاستحقاق اللبنانيّ ذا السعف (في 5
كانون الثاني 1938)؛ والرّئيس بشارة الخوري الذي منحه وسام
الاستحقاق اللبنانيّ المذهّب (في 2 حزيران 1949)، وأتبعه (في
26 تشرين الثاني 1951) بوسام الأرز اللبنانيّ برتبة ضابط؛
والرّئيس كميل شمعون منحه لدى وفاته وسام الأرز المذهّب (في
حزيران 1954). أمّا هو فكان يقول: "أنا وِسامي الصليب". |
| |
ومثلما قدّره
وكرّمه رؤساء الجمهوريّة، قدّره وساعده كبار الشخصيّات
اللبنانيّة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر دولة الرئيس سامي
الصّلح، والوزير حكمت جنبلاط، والمير مجيد إرسلان، والرئيس عمر
الداعوق... هذا بالإضافة إلى شهرة عالميّة إذ كتبت عنه صحف
إيطاليا وإسبانيا، وكلّها تغدق المديح والثناء على الأب
المؤسّس ومشاريعه الإنسانيّة الخيّرة. |
| |
"أبونا يعقوب" واليوبيل الذهبيّ
الكهنوتيّ |
| |
سنة 1951، بلغ
"أبونا يعقوب" السنة الخمسين من ارتقائه إلى درجة الكهنوت
المقدّس (1901)، وتحوّل في هذه السنة عينها دير الصليب من مأوى
إلى مستشفى للأمراض العقليّة والنّفسيّة، إثر اعتراف الحكومة
اللبنانيّة به رسميًّا، فكان الاحتفال اليوبيليّ مزدوجًا، مُنح
خلاله وسام الأرز اللبنانيّ. |
| |
"أبونا يعقوب" يسلّم الأمانة |
| |
بعد هذا العمر
الحافل بالجهاد المستمرّ، انتهى "أبونا يعقوب" إلى انحطاط
جسديّ، غالَبَ فيه المرض وقلّة النظر. وعندما أنبأه صديقه الأب
دوبري لاتور حقيقة وضعه الصحيّ، فرح وابتهج لأنّه ذاهب إلى
لقاء أبيه السماويّ. ولمّا اشتدّ عليه المرض قال للرّئيسة
العامّة الأم ماري عبدة المصلوب زغيب المهتمّة بمعالجته
والعناية به: "لم يعد من لزوم أن تتعذّبي، يا ابنتي، لقد عملتِ
كلّ واجباتك فاتركيني أذهب للقاء ربّي". وقد اعتبر موته
انتقالاً من غرفة إلى غرفة فقال: "إنّي سأنتقل إلى السّماء،
ولا أزال أعاونكِ...فلا تخافي...أوصيكِ بالرَاهبات". ثمّ بارك
بناته الرَاهبات وأوصاهنّ بالمحبّة والطّاعة. |
| |
وفي صبيحة نهار
السبت 26 حزيران 1954 قال: "هذا آخر نهار". وبعد نزاع، ووسط
دموع بناته الرَاهبات والصّلوات والمدائح ليسوع ومريم ويوسف،
أسلم روحه معانقًا صليب الرّبّ، حبيب القلب. وكان ذلك في تمام
السّاعة الثّالثة بعد الظهر. |
| |
عاش "أبونا
يعقوب" ثمانين عامًا مليئةً بالحصاد، وعابقةً بالجهاد
والفضائل، وقد أسلم الروح بهدوء القدّيسين وراحتهم. |
| |
إنتشر نبأ وفاة
"أبونا يعقوب" الكبّوشيّ في لبنان والعالم، فبكاه الجميع،
وزحفت الجماهير إلى دير الصليب للتبرّك بلثم يده الطّاهرة،
ولرؤيته للمرّة الأخيرة. وفي صباح يوم الأحد 27 حزيران، احتُفل
بالذّبيحة الإلهيّة برئاسة ممثّل الحبر الأعظم السفير البابويّ
المونسنيور بلترامي. وحضر صلاة الجنّاز حشد كبير من الأساقفة
والكهنة والرّهبان والراهبات، ووفود الرّهبانيّة الثالثة،
والمؤمنين، كما شارك فيه أصحاب الدّولة والمعالي والنوّاب
والأعيان، وذوو المناصب الرّسميّة والاجتماعيّة... وبعد تلاوة
الإنجيل المقدّس، ألقى سيادة المطران بولس عقل تأبينًا قيّمًا
مناسبًا لشخصيّة الرّاحل الكبير معدّدًا مناقبه ومحامده
ومبرّاته ومشاريعه... |
| |
بالإضافة إلى
ذلك، انهالت على الرّئيسة العامّة الأم ماري عبدة المصلوب زغيب
برقيّات التّعزية من الوطن وخارجه، وكلّها تعرب عن مكانة
الفقيد الغالي وشهرة مشاريعه الواسعة وفضائله وقداسته، نذكر
منها رقيم قداسة البابا بيوس الثّاني عشر، ورقيم المغفور له
البطريرك أنطون عريضة... وكلمات فخامة الرّئيس الشيخ بشارة
الخوري، واللّواء فؤاد شهاب قائد الجيش، كما راحت الصّحف
والمجلاّت تفرد لأعماله وشخصيّته الصّفحات المدبّجة بعطر
الوفاء والتقدير. |
| |
دُفن "أبونا
يعقوب" في ضريح قرب المذبح في الكنيسة الجديدة، وكان قد قال:
"هذه الجورة ستخلق لكم المشاكل". وبالفعل بعد ستّة أشهر أمرت
السّلطات الكنسيّة بنقل جثمانه إلى مدفن آخر بعيدًا عن المذبح
ليبقى الإكرام موجّها فقط للمذبح والقربان. |
| |
في الثّامن
والعشرين من شهر نيسان سنة 1957، وبحضور رهط كبير من المسؤولين
الرّوحيّين والزمنيّين، وحشود غفيرة من محبّي صاحب الذّكرى،
أُزيح السّتار عن تمثال "أبونا يعقوب" في وسط مملكة المحبّة،
المدينة التي بُنيت على جبل، ليبقى هو نبراسها ومنارتها، ثمّ
نُقل في سنة 1979 إلى مدخل بلدة جلّ الديب نزولاً عند طلب
البلديّة. |
| |
مؤلّفات "أبونا يعقوب" |
| |
لقد اهتمّ "أبونا
يعقوب" بالنّاحية الرّسولية المكتوبة، مؤمنا بأثر الكلمة. فهو،
بالرغم من مشاغله الكثيرة، ومتطلّبات مشاريعه المتعدّدة
والملحّة، قد أعطى التّأليف والكتابة وقتًا ثمينا.
من آثاره: |
| |
- مجلّة صديق
العائلة: أنشأها سنة 1913 واستمرّ يصدرها إلى سنة 1939. جمع
منها ستة وعشرين مجلّدًا. وقد ضمّنها أبحاثا ومقالات قيّمة
عالج فيها شؤون العائلة والمجتمع والكنيسة والوطن، فضلاً عن
روايات تاريخيّة مبتكرة حافلة بالعبر والمواعظ. |
| |
- سيرة القدّيس
فرنسيس الأسّيزي |
| |
- كتاب التراتيل
الدّينيّة للنّفوس المسيحيّة (1954- طبعة رابعة، 1992 – طبعة
خامسة). يقول في مقدّمة هذا المؤلَّف: "... ولهذا فقد آلينا
على نفسنا وفاءً لله، وخدمةً لأبنائه المخلصين، أن نضع هذه
المجموعة من التراتيل لكلّ عيد من الأعياد، ولكلّ مناسبة من
المناسبات الدّينيّة، لكي يُتاح للمؤمن أن يعبّر عن تقواه
وشعوره الحيّ بإنشادها والتغنّي بها في معبده، وفي نزهته، وفي
وحدته". |
| |
- رواية بعنوان:
أسرار الميلاد (1909) |
| |
-
-
كتيّب
يحوي على
رياضتَين لدرب الصليب
في يوم
الجمعة العظيمة (25/3/1950) |
| |
-
-
رواية ارتفاع
الصليب
المقدّس
(1951)
وهناك
حوالي 8000
صفحة مكتوبة بخطّ يده،
لم تُجمع بعد في
كتاب.
|
| |
روحانيّة "أبونا يعقوب" |
| |
الاتّكال على
العناية الإلهيّة طبع شخصيّة "أبونا يعقوب"، حتّى إنّه لُقّب
بـِ "رجل العناية". ترسّخت ثقته بهذه العناية أكثر فأكثر لمّا
بدأ مشروع دير الصليب، ولم يحصل من رئيسه سوى على بركته فاكتفى
بها كعربون لبركة الله. ولولا إلحاح زملائه، لما كتب لإحدى
المحسنات في فرنسا؛ ولكم كان انذهاله عظيمًا لمّا تسلّم منها
رسالة وفيها فرنك واحد. قال في نفسه: "أستحقّ ذلك. وإنّ الله
الصّالح أراد أن يريني أنّه هو المحسن الأوّل والأوحد لهذا
المشروع. ومنذ ذلك الحين، وضعتُ فيه وحده رجائي. إيّاك يا ربّ
رجوتُ فلا أخزى... وأمّا الفرنك، فإنّي أحتفظ به إلى اليوم
كذكر وكأمثولة". وكثيرًا ما كان يردّد: "العناية الإلهيّة
ساعدتني... ألله اهتمّ بي... ألله بارك مشروعي... عناية الله
لا حدّ لها... غريب كيف أنّ كلّ شيء ينبت على قدم الصليب..."
|
| |
كان الصليب حلاوة
قلبه ونبض أنفاسه.كان يدعو دائمًا إلى التّسلّح بإشارة الصليب
ورسمها جيّدًا؛ وكان يمارس رياضة درب الصليب المقدّسة كلّ يوم
وقد جعلها للراهبات جزءًا من صلواتهنّ القانونيّة. وفي نهار
الجمعة العظيمة، يجتمع المؤمنون في باحة دير الصليب ليشتركوا
مع "أبونا يعقوب" وراهباته بالاحتفال بدرب الصليب.
|
| |
كان "أبونا
يعقوب" يحمل الصليب بطيبة خاطر حتّى أصبح أليفه المحبوب، ويدعو
بناته الرَاهبات إلى عدم الخوف من الصليب. وكثيرًا ما كان
يردّد: "أمّا أنا فنصيبي الصليب"، "أوقيّة صليب خير من مليون
كتاب صلاة"، ولعلّ أحبّ صلاة على قلبه كانت: "يا صليب الرّب يا
حبيب القلب". |
| |
كان يبدأ نهاره
بالتأمّل راكعًا أمام القربان، الذي اعتبره مصدر قوّته ونجاحه.
وقد تاق إلى تكريمه مع الجماهير، ولطالما خاطبه قائلاً: "كم
أفضّل أن أطوف بكَ في الشوارع بدل أن أقفل عليك بيت القربان".
لذلك راح يغتنم الأعياد والمناسبات ليقيم التطوافات والزيّاحات
وساعات السّجود. |
| |
بتأسّفٍ شديد على
فتور النّاس تجاه القربان، كان يقول: "أكبر جرم عصرنا،
الابتعاد عن القربان. بدون قربان كنيستنا فارغة باردة
حزينة..." |
| |
"أبونا يعقوب"
رسول مريميّ، أحبّ أمّنا مريم العذراء حبًّا مميّزًا طبع كلّ
حياته. كان يقول: "إنّ العبادة لمريم مهما كانت مقدّسة ليست
سوى الباب المؤدّي إلى يسوع. مريم هي الواسطة، يسوع هو الغاية.
مريم هي الطريق، يسوع هو البلد المقصود". ويقول: "... أحسن
واسطة لإرشاد النّساء هي أن نقدّم لهنّ مريم العذراء للاقتداء
بها: إنّها بتول وأمّ". وكان يتوّج إكرامه لأمّه الطاهرة
بتلاوة مسبحة الورديّة الكاملة كلّ يوم. |
| |
إنطلاقا من هذا
الإيمان بالصليب والقربان وأمّ المصلوب، امتلأ "أبونا يعقوب"
بحبّ الله والقريب، ومشى في طريق الرّسالة فظهرت خصائصه
العديدة في مجالات الوعظ والرّسالة، إذ كان واعظًا عمليا ينطق
بالحقّ، يعظ ليفيد النّفوس، ولا يستعمل إلاّ الكلام السّهل
الممتنع البعيد عن كلّ تعقيد. ولدينا نماذج كثيرة من عظاته،
مكتوبة بخطّ يده. وهي كلّها تشهد على عنايته الفائقة، وحرصه
الجدّيّ الشديد، في تهيئة عظاته واحدة فواحدة، حتّى ولو تردّدت
فيها الموضوعات والأفكار بتعدّد جمهور السّامعين. وفي كلّ عظة،
وهذا أمر يدهش القارئ، وكم بالأحرى الذين سمعوه آنذاك، تتخلّل
شروحه الشخصيّة ثلاثة عناصر أخرى ثابتة، لا غنى له عنها، وهي:
آيات وأحداث وأمثال من الكتب المقدّسة، تتناول العهدَين القديم
والجديد؛ ثمّ أقوال وأمثال من آباء الكنيسة، وأعلام الحياة
الروحيّة والمكرّسة، قدّيسين وقدّيسات؛ ثمّ أخبار وأمثولات
وتطبيقات عمليّة من رجالات التاريخ، أو من الأحداث اليوميّة
المعاصرة. ويمكننا التأكيد أنّ تلك العناصر الثلاثة الثابتة في
عظاته كلّها، هي حقًّا الينابيع الكبرى التي نهل منها "أبونا
يعقوب" جوهر روحانيّته المميّزة. |
| |
وبعد الوعظ، كان
يمضي ساعات متتالية في كرسيّ الاعتراف ليغسل النّفوس ويريح
الضّمائر. |
| |
أمّا بالنسبة إلى
الرّسالة، فعُرف برسول لبنان الذي قال فيه: "لبنان موطن
الآباء والجدود، هو قطعة هبطت من السماء على الأرض لتكون
موطئاً لقدَمي المسيح عند مجيئه، ولذلك بارك المسيح لبنان، يوم
زار صور وصيدا فأضحى لبنان الصّخرة الحقيقيّة للإيمان والينبوع
الصّافي للمحبّة".كان يهدف إلى تعزيز الإيمان في قلوب مواطنيه،
فسعى إلى تحقيق ذلك بكلّ عزم واضعًا أمامه أهدافًا ثلاثة: |
| |
- وجوب تخليص
الإيمان المهدّد: "لبنان المزروع الآن بألوف القصور، يزداد
جمالاً في الظّاهر، أمّا نفوس سكّانه فتفقد إيمان أجدادها أكثر
فأكثر". |
| |
- تخليص الإيمان
بواسطة العائلة: "ويجب أن يتناول عمل التوعية والتثقيف عناصر
العائلة الثلاثة: الأولاد، والأمّهات، والآباء". |
| |
- خلق نخبة شهود
للإنجيل: "هذا هو الهدف من نشر وتعزيز الرّهبنة الثالثة في
لبنان: إيجاد شهود علمانيّين يشهدون للإيمان بعيش الإنجيل
بالتزام". |